السيد عباس علي الموسوي
361
شرح نهج البلاغة
قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوانهم من لاق لهم دواة أو ربط لهم كيسا أو مد لهم قلم فاحشروهم معهم . الثالث : قوله عليه السلام : إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا . وضع الشيء في غير موضعه يكون مضرا ، فالقاتل عمدا وعن سبق تصور وإصرار إذا عفوت عنه دون أن تتقدم منه التوبة يكون هذا العفو مضرا له وللمجتمع ، مشجعا له على معاودة الجريمة وزهق الأنفس الطيبة الشريفة ، إنه يتمادى ، ويتجرأ ، ويروح في الأرض فسادا وقتلا لأنه أمن العقوبة واطمأن إلى يسر المعاملة وسلامة يده التي تقتل وتفتك . وكذلك من يسرق أو يزني أو ينحرف ولا يجد جزاء عمله ولا القصاص الرادع له . فالرفق في هذه المواطن يعد مفسدة ، وإنما يجب أن يستعمل مع الجاني عمدا القصاص في النفس حتى لا يعود إلى عمله أبدا من جهة ، ويكون عبرة لغيره وعظة . من جهة أخرى فإن اللّه تعالى يقول : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ففي القصاص الحياة لمن تسول له نفسه الإجرام لأنه يتصور مقدار العقوبة فيرتدع ، وكذلك إذا نزلت به العقوبة يكون تأديبا لغيره وفي هذا القصاص فائدة لا يعد لها فائدة الرفق واللين ، لأن الرفق واللين يدفع بمن في نفوسهم مرض أن تتحرك تلك النفوس لتنشر الرعب في المجتمع وتفسد في الأرض بغير الحق ولذا قيل : من أمن العقوبة أساء الأدب . وقال الشاعر : ووضع الندى في موضع السيف بالعلا * مضرّ كوضع السيف في موضع الندى كما أن القضية تنعكس ، فلو كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا ، فإذا استعملت القسوة مع ولدك لعصيانه وسوء أدبه وهززت له العصا وإن احتاج الأمر ضربته تأديبا ، كان ذلك أحسن من الحنوّ عليه والرفق به ، لأنه يفسده ويطمعه في المعصية والتمرد ومخالفة الأدب . فالعنف هنا هو الذي يؤدي ويقود هذا الإنسان إلى الرفق والسيرة الحسنة والطريقة المثلى . . . هذه القساوة هي التي تخلق رجلا عدلا مستقيما يحمل نفسه على الحق وإن كان كريها ، ويسير على الهدى وإن كان على النفس ثقيلا ، يجانب الأشرار والمفسدين ويسير على هدى الصالحين والمخلصين . فالخرق هنا هو الذي يفيد ويعطي الآثار والنتائج الطيبة . . . الرابع : قوله عليه السلام : ربما كان الدواء داء والداء دواء . نعم ربما تحول الدواء إلى داء قاتل فاتك ، الدواء سواء كان عقاقير وأدوية أو مواعظ وحكما أو كانت نظما وتشريعات ، فكما أن الدواء إذا كان قد أكله الزمن وأتلفه لا